مراجعة تحليلية بدراسة آلية وعواقب النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط
المؤلف: ستار رحمن
الناشر: المركز الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط، 2024
مراجعة تحليلية بقلم سيلفيا سورينتينو
المقدمة
مقال “آلية وعواقب النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط” هو مقال علمي يناقش، كما يوحي العنوان، توسع النفوذ الإيراني في منطقة جنوب غرب آسيا خلال العصر الحالي. يبرز المؤلف، السيد ستار رحمن، عوامل مهمة ساهمت في جعل الجمهورية الإيرانية لاعباً جيوسياسياً بارزاً في المنطقة، إلى جانب ما يعنيه ذلك للدول المجاورة مثل العراق ولبنان.
في المقدمة، يقدم رحمن خصائص عامة تتعلق بالتقاليد السياسية الإيرانية، سواء على المستوى الوطني أو الخارجي. تشمل هذه العوامل الدور التاريخي للإمبراطورية الفارسية، دور المؤسسة الدينية، وتأثير الاستعمار الغربي. وعند تعمقه في البحث، يحدد المؤلف ثلاثة عوامل رئيسية تُفسر التوسع الإيراني: العامل الاقتصادي، والعامل العسكري، والعامل السياسي.
العامل الاقتصادي
في هذا القسم، يُبرز رحمن الأسباب الاقتصادية وراء النفوذ الإيراني في المنطقة. يشير بشكل خاص إلى دور العقوبات الغربية على إيران، حيث يُتهم النظام الإيراني بأنه “معادٍ للديمقراطية” وينتهك حقوق الإنسان، ما أدى إلى فرض قيود أثرت سلباً على السكان بأكملهم. وكما يوضح المؤلف، تحاول إيران توسيع نطاقها الاقتصادي في جنوب غرب آسيا لضمان استمرار تداول البضائع والخدمات الإيرانية.
يُبرز المقال أيضاً دور الميليشيات المسلحة التي تُعدّ في الوقت نفسه نتيجة وتأثيراً لهذا النفوذ الاقتصادي. تعمل هذه الميليشيات غالباً في سياقات التهميش الاجتماعي والاقتصاد غير الرسمي، مما يؤدي إلى إنشاء سوق عمل موازٍ في الدول المجاورة. هذا السوق لا يعتمد على الجنسية بل على الانتماء الطائفي، ويُعتبر ظاهرة عابرة للحدود الوطنية.
العامل العسكري
الميليشيات المسلحة المذكورة ليست ذات أهمية اقتصادية فحسب؛ بل تلعب دوراً عسكرياً أكثر تحديداً. يشير رحمن إلى أن وجودها في الدول المجاورة مهم لضمان الأمن الإيراني. فعلى سبيل المثال، يردع هذا الوجود الغرب من الدخول في صراع مباشر مع إيران، حيث قد يؤدي ذلك إلى اندلاع حرب شاملة في المنطقة.
كما أن وجود هذه الميليشيات بعيداً عن الأراضي الإيرانية يهدف إلى تفادي أي هجمات محتملة على الأراضي الإيرانية وإبقائها بعيدة عن التهديد المباشر. ويؤكد المؤلف على أهمية العراق كمنصة صراع بين إيران والولايات المتحدة، حيث تُعتبر الميليشيات هناك نظرياً تابعة للحكومة العراقية، ولكنها عملياً تعمل كأداة إيرانية.
العامل السياسي
يُبرز رحمن دور الأيديولوجيا والمشاعر المعادية للإمبريالية في المنطقة، وهي مرتبطة بشكل وثيق بالميليشيات المسلحة. إن دعم الغرب لما يصفه المؤلف بـ”الإبادة الجماعية للفلسطينيين” يؤدي إلى زيادة واضحة في وجود الميليشيات، التي لا تدعمها إيران فقط، بل تدعمها أيضاً الدول المجاورة التي تدمجها في السلطة السياسية لتجنب تصعيد عسكري محتمل.
بالإضافة إلى المشاعر المناهضة للإمبريالية، تعزز إيران دعايتها السياسية في المنطقة عبر استغلال السكان الشيعة وشعورهم بالانتماء الطائفي. ومع ذلك، يشير المؤلف إلى أن الحكومة الإيرانية لا تسعى فعلياً لتحسين ظروف الشيعة في دول أخرى مثل لبنان والعراق، حيث يظل مستوى معيشتهم أدنى من الجماعات الأخرى. وفي هذا السياق، يرى رحمن أن الحكومة الإيرانية تهتم بمصالحها السياسية أكثر من اهتمامها برفاهية الجماهير الشيعية.
الابتكارات في المنهج
كما أُشير سابقاً، يُبرز المقال الأسباب الكامنة وراء توسع النفوذ الإيراني في منطقة جنوب غرب آسيا (التي يُشار إليها عادةً بالشرق الأوسط). يبدو أن الماضي الإمبراطوري لإيران كإمبراطورية فارسية يلعب دوراً بارزاً في هذا السياق، وهو أمر وجده المراجع مثيراً للاهتمام.
بصفتي باحثة في الدراسات ما بعد الاستعمار، أميل عادةً إلى اعتبار المشاعر المناهضة للإمبريالية والمناهضة للغرب المصدر الرئيسي للشؤون الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة. ولكن من المثير للاهتمام ملاحظة كيف أن الماضي الإمبراطوري لإيران ودوره الرئيسي في المنطقة يساهمان أيضاً في تشكيل قرارات السياسة الخارجية الحديثة، إلى جانب مكافحة الأهداف الاستعمارية الجديدة للغرب.
في هذا الصدد، يقارن المقال ضمنياً النفوذ الإيراني في المنطقة بالنفوذ الغربي، مُحدداً كلاهما كعاملين مدمّرين للسيادة الوطنية. وعلى عكس الأدبيات التي تميل إلى انتقاد الغرب أو إيران فقط، يقدم المقال منهجاً مبتكراً ينتقد كليهما، مما ينتج عنه تحليل محايد وأكاديمي بامتياز.
ويُبرز المقال أيضاً الترابط العميق بين الأهداف الاستعمارية الجديدة للغرب والطموحات التوسعية الإيرانية، حيث يغذي كل منهما الآخر، مما يُشبه حرباً باردة جديدة على نطاق صغير.
النهج الشامل
نهج آخر مبتكر في المقال هو الجمع بين التحليل الجيوسياسي “الكلاسيكي” (الاعتبارات الاقتصادية والعسكرية والسياسية) مع إدراج تحليل يميل أكثر إلى الدراسات الثقافية والاجتماعية، مما يُنتج نهجاً شاملاً يكسر الحدود بين النظريات المختلفة في العلاقات الدولية.
علاوة على ذلك، يقدم المقال طرقاً جديدة لدراسة الموضوع من خلال تسليط الضوء على عوامل لا تُؤخذ عادةً بعين الاعتبار في الطروحات الأكاديمية التقليدية، مثل تأثير هذا النفوذ على الجماهير الشيعية في الدول المجاورة، أو استخدام الميليشيات المسلحة لتحقيق أهداف اقتصادية وعسكرية.
الخاتمة
يُعدّ مقال “آلية وعواقب النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط” بقلم ستار رحمن دراسة شاملة للغاية تشرح أسباب وتبعات السلطة الإيرانية على المنطقة المعنية. يُحدد المؤلف عدة عوامل وراء ذلك، تشمل الاقتصادية والسياسية والعسكرية، مُضيفاً منظوراً اجتماعياً حول دور المشاعر الطائفية.
يمثل المقال منهجاً مبتكراً في تناوله المنهجي، حيث يتجنب الانحياز السياسي ويقدم تحليلاً محايداً دون الانغماس في السرديات السياسية المحتملة. كما يقدم زوايا جديدة حول الموضوع، مُدرجاً حججاً ما زالت غائبة عن الأدبيات الأكاديمية المتعلقة بهذا المجال.
الأمر اللافت للنظر في المقال هو الترابط بين جميع العوامل والمواضيع التي تناولها، مما يتيح مستويات متعددة من التحليل. فهو لا يركز على جانب واحد فقط، بل ينظر إلى الصورة الكاملة، مما يجعل من المقال دراسة عابرة للعلوم الاجتماعية.
